العيني
158
عمدة القاري
67 ( ( بابُ ما يَقَعُ مِنَ النَّجَاسات في السِّمْنِ والمَاءِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء ، فكلمة : ما ، مصدرية وكلمة : من بيانية . وقال بعضهم : باب ما يقع . . . الخ . أي : هل ينجسهما أم لا ؟ أو : لا ينجس الماء إلاَّ إذا تغير دون غيره . قلت : لا حاجة إلى هذا التفسير ، فكأنه لما خفي عليه المعنى الذي ذكرناه قدر ما قدره . فان قلت : ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ؟ قلت : من حيث إن في هذا الباب السابق ذكر بول ما يؤكل لحمه ، والبول في نفسه نجس ، وكذلك في هذا الباب ذكر الفأرة التي هي نجس ، وذكر الدم كذلك والإشارة إلى أحكامهما على ما جاء من السلف ومن الحديث . وقال الزُّهْري لاَ بأْسَ بالمَاءِ ما لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أوْ رِيحٌ أوْلَوْنٌ الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الفقيه المدني ، نزيل الشام ، ثم الكلام فيه على أنواع . الأول : أن هذا تعليق من البخاري ، ولكنه موصول عن عبد الله بن وهب في مسند : حدثنا يونس عن ابن شهار أنه قال : كل ما فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ولا لونه ولا ريحه ، فلا بأس أن يتوضأ به . وورد في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الماء لا ينجسه شيء إلاَّ ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ) . رواية ابن ماجة : حدثنا محمود ابن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان قال : حدثنا مروان بن محمد حدثنا رشدين ، أخبرنا معاوية بن صالح عن راشد ابن سعد عن أبي أمامة ، رضي الله عنه ، وقال الدارقطني : إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد ولم يرفعه غير رشدين . قلت : وفيه نظر ، لأن أبا أحمد بن عدي رواه في ( الكامل ) من طريق أحمد بن عمر عن حفص بن عمر حدثنا ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن أبي أمامة فرفعه . وقال : لم يروه عن ثور إلاَّ حفص . قلت : وفيه نظر أيضاً ، لأن البيهقي رواه من حديث أبي الوليد عن الساماني عن عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن ثور ، وقال البيهقي : والحديث غير قوي إلاَّ أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافاً . النوع الثاني في معناه : قوله : ( لا بأس ) أي : لا حرج في استعمال ماء مطلقاً ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون . وقوله : ( لم يغيره ) ، جملة من الفعل والمفعول . وقوله : ( طعم ) بالرفع فاعله ، وحاصل المعنى : كل ماء طاهر في نفسه ولا يتنجس بإصابة الأذى ، أي : النجاسة إلاَّ إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه ، وهي : الطعم والريح واللون . فان قلت : الطعم أو الريح أو اللون هو المغير ، بفتح الياء آخر الحروف المشددة ، لا المغير على صيغة الفاعل ، والمغير ، بالكسر هو الشيء النجس الذي يخالطه ، فكيف يجعل الطعم أو الريح أو اللون مغيراً على صيغة الفاعل على ما وقع في رواية البخاري ، وأما الذي في عبارة عبد الله بن وهب فهو على الأصل . قلت : المغير في الحقيقة هو الماء ، ولكن تغييره لما كان لم يعلم إلاَّ من جهة الطعم أو الريح أو اللون فكأنه صار هو المغير ، وهو من قبيل ذكر السبب ، وإرادة المسبب . وقال الكرماني : لا بأس ، أي لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلاً أو كثيراً ، بل لا بد من تغير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه ، والمراد من لفظ : ما لم يغيره طعمه ، ما لم يتغير طعمه . فنقول : لا يخلو إما أن يراد بالطعم ، المذكور في لفظ الزهري ، طعم الماء أو طعم الشيء المنجس ، فعلى الأول معناه : ما لم يغير الماء عن حاله التي خلق عليها طعمه ، وتغيره طعمه لا بد أن يكون بشيء نجس ، إذا البحث فيه . وعلى الثاني معناه : ما لم يغير الماء طعم النجس ، ويلزم منه تغير طعم الماء ، إذ لا شك أن الطعم هو المغير للطعم ، واللون للون ، والريح للريح ، إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة ، وجعل الشيء متصفاً بوصف نفسه ، ولهذا يقال : لا يسخن إلاَّ الحار ، ولا يبرد إلاَّ البارد ، فكأنه قال : ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس ، أو لا بأس ، معناه : لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة أو النجسة . نعم ، إن كان المغير طعماً نجساً ينجسه ، وإن كان طاهراً يزيل طهوريته لا طهارته ، ففي الجملة في اللفظ تعقيد . انتهى . قلت : تفسيره هكذا هو عين التعقيد لأنه فسر قوله : ( لا بأس ) بمعنيين : أحدهما بقوله : ( أي لا يتنجس . . . ) إلى آخره ، والآخر بقوله : ( لا يزول طهوريته ) . وكلا المغنيين لا يساعدهما اللفظ ، بل هو خارج عنه . وقوله : ( المغير للطعم هو الطعم ) غير سديد ،